خصائص الطب الوقائي في الإسلام

  • 1 November 2016
  • فئة المقال : بحوث


إن مجموعة القواعد الوقائية في الإسلام، سواء نص عليها القرآن الكريم أو السنة المطهرة، إنما هي نمط من التشريع والأحكام، يمكن صياغتها في قوانين وأنظمة وتعليمات، شأن سائر الأحكام التي استنبطها فقهاء المسلمين، وهي حلقة من مجموعة حلقات تهدف إلى إسعاد البشرية؛ لتتحقق عمارة الأرض وخلافة المسلم فيها، وتدل بوضوح تام على أن الذي أنزلها إنما أراد قيام بيئة سامية ومجتمع سليم. والإنسان في المنظور الإسلامي أفضل خلق الله وأحبهم إليه، فإذا ما تحققت به صفة العبودية لله، أُحيط بسياج من التشريعات لتستقيم على هديها وفي ظلالها أحواله، ومن جملتها هذه القواعد الوقائية والتي تمتاز بالخصائص التالية قصب السبق: معلوم بداهة أن هذه القواعد تعود زمنياً إلى فترة سبقها بآلاف السنين أمم وحضارات، وزامنها أخرى، ولعل أقربها زمنياً إلى تلك الفترة حضارات والروم والأنباط، وأقربها جغرافياً حضارات ما بين النهرين واليمن والحبشة ووادي النيل.

وقد نبغ أصحاب هذه الحضارات في كثير من الفنون التي لا زالت ماثلة للعيان، ومع هذا لم تدل مخلفاتهم من نقوش وكتب إلى ما يشير إلى احتواء حضاراتهم على قواعد صحية كتلك التي نراها في الإسلام. الأمر الذي يجعل من هذا السبق خصيصة تنفرد بها نظرية الطب الوقائي في الإسلام، ويعطيها الأولوية على سائر الحضارات المصداقية: إن الحقيقة العلمية الصحيحة تطابق تمام المطابقة، الحقيقة العلمية الواردة في القرآن الكريم والسنة المطهرة، ومع أن الإسلام ليس متهماً يحتاج إلى دليل وشهادة لبراءته، إلا أن مثل هذه المطابقة تزيد المؤمنين إيماناً، وتزداد معها عظمته في نفوسهم، عندما تصبح بدهيات الإسلام الذي أنزل قبل أربعة عشر قرناً من الزمان هي غاية ما يصبو العلم الحديث الوصول إليه، وهكذا لا تزيده الأيام إلا بريقاً ولمعاناً، شأن المعادن الثمينة التي تحتفظ بقيمتها وبريقها مهما تقادم عليها الزمن أوعلتها التراكمات البساطة والتيسير: إن المتتبع لنظرية الطب الوقائي في الإسلام يلاحظ فيها خاصية البساطة في التكليف واليسر في التنفيذ، فهي لا تستلزم كلفة مالية تثقل الكاهل، ولا جهداً مرهقاً يفقد الهمم، ولا وقتاً يقلل من العطاء والإنتاج، ولا مشقة تفوت معها متعة. فلو قدرت ما يحتاج إليه تطبيقها في حياة الأفراد والجماعات من مال وجهد ومشقة لأدركت فيها خاصية البساطة واليسر.

فكم هو المال والوقت اللازمين للاستياك، أو الوضوء، أو الختان، أو الاستحداد، أو تقليم الأظافر، أو نتف الإبط، أو طهارة البدن والثوب؟ وكم هو الجهد اللازم لتجنب الملاعن الثلاث، وعدم الوطء في الحيض والنفاس، وتجنب الزنا؟ المؤهل: إن الباحث في نظرية الطب الوقائي في الإسلام، لا بد وأن يلاحظ أن تطبيقها في حياة الأفراد والجماعات لا يحتاج إلى مراسيم خاصة، أو إجراءات معقدة، تستلزم قدراً عالياً من المعرفة أو حداً متميزاً من الذكاء أو مؤهلاً علمياً معيناً، فهي من البساطة واليسر بحيث يكفي أن يلاحظها الطفل الصغير معاشة في بيت والديه، ليعتادها عادة تنتهي بعد مدة إلى عبادة يبتغي بها وجه الله تعالى الذاتية في التنفيذ: لئن احتاج التعليم آلاف المربين، والصحة والسلامة إلى مثل ذلك من الفنيين والمتخصصين، والتجارة والتموين إلى مثله لمراقبة الالتزام وحسن التنفيذ. فإن تطبيق نظرية الطب الوقائي في حياة الأفراد والجماعات في المجتمع الإسلامي لا يحتاج إلى شيء من ذلك، فالالتزام بقواعدها يتم تلقائياً يتوارثه الأبناء عن الآباء ثم تصبح في نفوسهم جزءاً من عقيدتهم، وعبادة يتقربون بها إلى الله، وبالتالي لا يسمح المسلم لنفسه أن ينخلع من هذه القواعد؛ فهو متيقن أنه يتعبد الله بالالتزام بها، كما يعلم أن جمسه عنده أمانة ينبغي المحافظة عليه، وأنه على ثغرة من ثغر الإسلام، يحرص أن لا يؤتى المجتمع الإسلامي من ثغرته.

فيكون وازع الالتزام بها ذاتي لا يستلزم جهازا صحيا متخصصا يتولى المراقبة والمتابعة والتفتيش الشمولية: إن شأن القواعد الوقائية في الإسلام شأن سائر الأحكام والتكاليف الواردة في القرآن الكريم من حيث قوة الإلزام ووجوب النفاذ، وتتميز عن نظرية الطب الوقائي الحديث بشموليتها، إذ أنها تتعامل مع الإنسان على انه مادة وروح، وعلى أنها ملزمة لكل من تحققت به صفة الإسلام، فهي إلى جانب وقاية الإنسان من كل مكروه، نتيجة إحاطته بهذا السياج الأمين من الأحكام والتكاليف، تغوص إلى أعماقه، فتخاطب به نفسه وقلبه الذي بين جنبيه وتملأهما بمحبة الله والخوف منه والرجاء بما عنده، وأن ما عنده أكثر وأعظم مما قد يخطر على بال بشر، وبالتالي تسمو بهما عما عند الناس، وهكذا تفيض النفس الإنسانية قناعة وطمأنينة لا يتعايش معها غل أو طمع ولا حقد أو ضغينة ولا كراهية أو يأس أو حسد، كتلك التي أورثت النفوس الخالية من الإيمان أمراضاً يستعصي علاجها بغير الإيمان، فقد أودت بحياة الملايين من الناس نتيجة الإدمان على المخدرات والجنس والممارسات الخاطئة، وهكذا تعني نظرية الطب الوقائي في الإسلام بالإنسان ونفسه وقلبه وبيئته الحماية من الأمراض الجنسية: نظرية الطب الوقائي لم تنصب شراكاً للإنسان حتى يقع في الفخ ثم تتولى معالجته، ولم تفترضه ملاكاً يدب على الأرض، بل تعاملت معه على أنه مادة وروح وله عواطف وأحاسيس، وأن بين جنبيه غريزة يجب إشباعها، وبالتالي لم تترك له الأمر على الغارب، بل جففت مسبقاً كل موارد الجريمة وكل طريق يؤدي إليها أو يثير كوامن النفس للتفكير فيها، فمنعت الاختلاط والتبرج والخلوة واللباس الفاحش والزينة المحرمة، والنظرة المحرمة ، ثم وضعت له الضوابط الكفيلة بتلبية غريزته الجنسية بلا رهبانية خانقة ولا إباحية بهيمية.

وهكذا فبهذه الواقعية في التعامل مع الإنسان جنبته ويلات الأمراض الجنسية التي تئن منها اليوم المجتمعات الشرقية والغربية على السواء التركيز على نظرية الوقاية: تتولى مجموعة القواعد الوقائية في الإسلام قيادة أمر المسلم قبل وقوعه فريسة للأمراض، بل منذ أن تحققت به صفة الإسلام، فهي لا تنتظره حتى يمرض لتباشر عملها، إنها معه من بداية المشوار، تسد عنه كل نافذة قد تؤذيه، وتضع دونها الحواجز والعراقيل حتى لا تصل إليه (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً) وبعد هذا إن حصل واجتاح ديار الإسلام وباءٌ ما، فإنها تأمر الذين فيه، الصبر عليه واحتسابه امتحاناً من الله يكفر به خطاياهم، ثم البقاء في مكانهم وعدم القدوم عليهم حتى يصرف الله عنهم هذا الوباء، ووعد الذي يقضي في هذا المرض بأن له الجنة (من مات مطعوناً فهو شهيد) لقاء تفضيله مصلحة المجتمع على مصلحته الديمومة: إن الالتزام بقواعد الطب الوقائي في الإسلام، ليس مرهوناً بمدة محددة ولا بسن معينة ثم يحال صاحبها على المعاش، إنما يستمر الالتزام بها طيلة حياة المسلم على الأرض ذلك لأنها جزء من عقيدته، لذا يبقى قائماً عليها، ملتزماً بها حتى يوارى التراب، فإذا تخلف عن تنفيذها يكون قد ترك تكليفاَ شرعياً وعطل حكماً من أحكام الإسلام ربما يخرجه من دائرة الإسلام إذا ما أصر على إنكاره، وبهذه الديمومة يضمن الإسلام فردا سليماً قوياً ومجتمعاً نظيفاً منظومة متكاملة: إن مجموعة القواعد الوقائية في الإسلام رغم كمالها وكفايتها الصحية للفرد والمجتمع، ورغم سهولة تنفيذها وديمومة التزام المسلم بها، إلا أنها لا تؤتي ثمارها إذا ترك المسلم الالتزام ببقية الأحكام الشرعية الأخرى، فهي جزء من نظام كامل متكامل، ينفع البشرية إذا سلمته زمامها وولته قيادتها، أما الالتزام ببعض أحكام الإسلام وترك البعض الآخر، كما هو شان المسلمين اليوم، فهو نوع من الالتزام الممقوت الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ونوع من التخبط وهدر الوقت والجهد، فترك الصيام مثلاً يرافقه ترك للصلاة، وترك الصلاة يسقط فريضة الوضوء وفريضة الغسل من الجنابة والحيض والنفاس، كما يسقط سنة السواك وسنن الفطرة، وهكذا فالتنازل عن حلقة، يجر إلى التنازل عن عدة حلقات غيرها، حتى ينفرط عقد السبحة عن آخره

منقول عن بحث "تفوق الطب الوقائي في الإسلام" للدكتور عبدالحميد القضاة؛ بتصرف

جميع الآراء والتعليقات المطروحة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي للموقع بل تمثل وجهة نظر الكاتب

ضع تعليقك